يروي مروان كنفاني المستشار والمتحدث الرسمي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لـ«عكاظ» ذكرياته مع القضية الفلسطينية في ضوء معايشته لها عن قرب كمراقب ومشارك وصانع في بعض الأحيان وذلك لقرابة 40 عاما. ويعرض للمحطات الثلاث للفلسطينيين وما تعرضوا لها عقب خروجهم من وطنهم، وما تلاها من أحداث في الأردن، ثم لبنان ثم تونس، وكذلك الغزو العراقي للكويت وتأثيراته على العلاقات الفلسطينية العربية ومسيرة السلام الفلسطينية الإسرائيلية عبر مدريد واوسلو واتفاق غزة أريحا وعودة الرئيس عرفات إلى ارض الوطن ثم وفاته وما حوته من أسرار وتصوره للمستقبل المنظور للقضية الفلسطينية. وفي الحلقات السابقة روى كنفاني خروج الفلسطينيين من أراضيهم والنكبة الفلسطينية العام 1948، وقصة خروج أسرته من يافا إلى صور ثم إلى دمشق، ثم الوجود الفلسطيني في الأردن، والوقائع التي مهدت لأحداث أيلول الأسود. ثم تناول كنفاني خروج الفلسطينيين من الأردن إلى سوريا.
في هذه الحلقة يروي أحداث الحرب الأهلية اللبنانية وتداعياتها على العمل الفلسطيني حتى خروج المقاومة من بيروت بعد الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني العام 1982.
الحرب الأهلية اللبنانية
بدأت الحرب اللبنانية الأهلية عمليا العام 1975، نتيجة لتداعيات سببتها عملية فاشلة جرت من أطراف فلسطينية، في ناحية عين الرمانة القريبة من المنطقة الشرقية لمدينة بيروت، استهدفت اغتيال مجموعة من القيادات المسيحية، وقيادات حزب الكتائب اليميني الذي كان يرأسه الشيخ بيار الجميل، ورد عناصر الحزب بقتل أكثر من ثلاثين فلسطينيا، كانوا يستقلون حافلة مارة من نفس المنطقة عائدين من حفل زواج، وتطورت تلك الأحداث نتيجة للاحتقان والتحريض والتعبئة التي تمت خلال السنوات القليلة الماضية إلى حرب واسعة بين أطراف مختلفة وإن بدت للجميع بأنها حرب بين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين من جهة ضد أطراف لبنانية متحالفة من جهة أخرى.
كان التحالفان المتصارعان يضمان قوى مختلفة المناهج والبرامج وحتى الأهداف، وتعرض كلاهما في وقت لاحق لتغيير في التحالفات ولنزاعات دموية بين حلفاء الأمس. نجح التحالف الفلسطيني اللبناني في فرض سيطرته على جزء كبير من الأراضي اللبنانية بينما تمكنت قوى الجبهة اللبنانية في الاحتفاظ بمناطقها التقليدية وكذلك الجزء الشرقي من مدينة بيروت وأصبحت المنطقة المحيطة بساحة الشهداء والأسواق التجارية القديمة في وسط مدينة بيروت هي منطقة التماس التي شهدت قتالا وتدميرا كبيرين في مرحلة ما قبل الدخول السوري إلى لبنان. أبدت القوات الفلسطينية مقدرة مقنعة في الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن والإغاثة للمواطنين، وكذلك على حماية وعدم التعرض للمصالح الأجنبية وخاصة الأمريكية في لبنان وخارجه. وفيما عدا بعض عمليات السطو المسلح الذي شاركت فيه بعض التنظيمات الفلسطينية لبعض البنوك والمحلات التجارية في خطوط المواجهات، فقد أبدى الفلسطينيون اهتماما وعناية بعدم توسيع وتيرة القتل والقتال الطائفي واكتفوا بممارسة القتال العقائدي والسياسي القائم على المحافظة على الذات ومقاومة أية محاولة لتجريدهم من السلاح أو إرغامهم على الخروج من لبنان.
وكانت المناطق التي سيطر الطرفان المتنازعان عليها في لبنان هي الامتداد الطبيعي لتواجد غالبية السكان التابعة للطوائف المتنازعة فيما عدا الاختراق الذي قامت به قوات الجبهة اللبنانية لمنطقة نفوذ فلسطينية بحصارها ومن ثم احتلالها لمخيم تل الزعتر القريب من منطقة نفوذها واختراق قوات التحالف الفلسطيني اللبناني بالتالي لمناطق نفوذ الجبهة اللبنانية في الجبل اللبناني واحتلالهم لبلدة الدامور المسيحية.
الاجتياح الاسرائيلي الأول
ووقع الاجتياح الإسرائيلي الواسع للجنوب اللبناني في العام 1978 في الوقت الذي كان فيه عرفات في زيارة لبعض دول الخليج العربي وقرر الرئيس العودة فورا إلى لبنان بالرغم من المخاطر التي كانت تعترض طريق عودته برا وجوا. وقاد عرفات عمليات التصدي لذلك الاجتياح الذي لم يستمر طويلا وعادت إسرائيل بعدها الى ممارسة سياستها المفضلة في اغتيال الرموز القيادية الفلسطينية التي أصبحت تطل بأعناقها خارج الإطار الوطني والإقليمي، وأصبح بالتالي علي سلامة على رأس قائمة المرشحين للاغتيال، خصوصا أن إسرائيل كانت أيضا تريد تصفية حسابها معه بسبب اتهامها له بالضلوع في عملية الألعاب الأولمبية الدامية في ميونخ والتي كانت إسرائيل قد تمكنت في السنوات الماضية من اغتيال معظم المشاركين الأحياء فيها.
ومع حلول العام 1979 كان عرفات مصمما على أهمية تماسك تحالفه مع سوريا بالرغم من ما اعترى هذا التحالف خلال السنوات الثلاث الأخيرة ولم تكن علاقات عرفات مع العراق قد وصلت أفضل حالاتها بعد كما كانت علاقاته مع مصر تمر بأزمة كبيرة بعد مبادرة الرئيس السادات العام 1977 والتي كانت لا تزال محل تفاوض بين مصر وإسرائيل بدعم وتأييد من معظم دول العالم. وما إن بزغ فجر الثمانينات حتى كان الوضع الفلسطيني في لبنان بالرغم من أن منظمة التحرير وتحالفها مع القوى الوطنية اللبنانية قد ثبتت مواقعها كقوة رئيسية يحسب حسابها قد دخل مرحلة جديدة تنذر بالخطر.
الانهيار الفلسطيني في لبنان
وإذا كان من الممكن تحديد تاريخ لبدء الانهيار الفلسطيني في لبنان فإن العام 1981 كان ذلك التاريخ وإذا كان لابد أو من الممكن تحديد سبب معين وأساسي لبدء هذا الانهيار فهو بلا جدل انهيار علاقة الفلسطينيين وحركة فتح بشكل خاص والرئيس عرفات على وجه التحديد مع سوريا في ذلك أو حوالى ذلك التاريخ لم يحدث ذلك فجأة إنما نتيجة لتراكمات سببتها ممارسات لكلا الطرفين في الأعوام السابقة. لقد كان دخول سوريا إلى لبنان العام 1976 تعبيرا عن قناعة دمشق بأن حجم عرفات قد زاد عما يمكن أن تسمح به دمشق، وكذلك أن مصالح سوريا لم يكن بالإمكان العهد بها إلى الفلسطينيين الذين أصبح لهم برنامجهم وأهدافهم الخاصة في لجة المتغيرات في الشرق الأوسط.
نجح الوجود الفلسطيني في لبنان في خلق مكان لعرفات بين قطري السياسة في تلك المنطقة، وتكررت أحاديث عرفات وإشاراته وإيماءاته عن استقلالية القرار الفلسطيني وكان هذا الكلام موجها لسوريا بالذات إلى جانب سوء العلاقات الشخصية بين الرئيس حافظ الأسد وبينه حيث كان هناك ود مفقود بينهما ولم يكن أحدهما يثق في الآخر ولم يكن أحدهما أيضا يخفي تلك الحقيقة حيث كان عرفات مقتنعا بأن السوريين يريدون استعمال ورقة الفلسطينيين لأهدافهم الخاصة ولتقوية مركزهم القتالي أو التفاوضي، كما كان مؤمنا بأن هناك اتفاقا سوريا إسرائيليا قادما ولم يكن لديه شك بأن ذلك سيكون على حسابه.
وجاءت القشة التي كسرت ظهر العلاقات الفلسطينية السورية بشكل نهائي حين قام عرفات في محاولة منه لتهدئة الوضع بقبول وقف متبادل لإطلاق النيران على الحدود الجنوبية في مبادرة من الأمم المتحدة واتصالات غير مباشرة بين الطرفين وكان ذلك أول اعتراف واقعي غير مباشر من إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كطرف أساسي في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
ورأى الرئيس حافظ الأسد في هذا الاتفاق خروجا عن التحالف السوري الفلسطيني وخطوة عدائية تجاه سوريا التي لم تتم استشارتها وتطبيقا عمليا لشعار استقلالية القرار الفلسطيني الذي كان يكرره عرفات، وبتنسيق أو غير تنسيق خططت بعض قيادات حركة فتح لعمليات ضد قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان الأمر الذي منعه عرفات بالقوة وتم اعتقال بعض تلك القيادات.
لقد أصبح التخلص من عرفات وحلفائه داخل حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات الفلسطينية المؤيدة له مطلبا سوريا تبرره مصالحها الوطنية والقومية ولم يعد مهما لدى حافظ الأسد من الذي سيقوم بذلك، وفهم الإسرائيليون الموقف السوري على أنه إشارة إلى رفع يد سوريا وحمايتها عن عرفات، وبدت لهم الفرصة سانحة للتخلص والى الأبد من هذا الفلسطيني المشاكس الذي بدا أنه ليس هناك حدود لأحلامه وطموحاته.
في منتصف إبريل 1982 كنت ما زلت أعمل في نيويورك وتواترت الأنباء عن حشود عسكرية إسرائيلية في شمال إسرائيل وبالقرب من الحدود بينها وبين لبنان واستأذنت عرفات بالقدوم إلى بيروت، وهو ما قمت به بالفعل في منتصف شهر مايو من ذلك العام حيث كان عرفات مشغولا بالوضع الفلسطيني الداخلي والمشاكل التي تتصاعد داخل حركة فتح وبينها وبين التنظيمات الفلسطينية الموالية لسوريا وكان يعتقد أن هناك مؤامرة لضرب الثورة الفلسطينية من داخلها، وأن الحشود العسكرية الإسرائيلية هي جزء من تلك المؤامرة الرامية إلى الضغط على القيادة الفلسطينية وهو شخصيا.
وكان عرفات يعتمد في موقفه حول استقلالية القرار الفلسطيني على التحسن الذي طرأ على علاقاته العلنية مع العراق، التي كانت على طرفي نقيض مع سوريا لأسباب قديمة وخاصة بين قيادتي تلك الدولتين، وكذلك على تحسن علاقاته السرية مع مصر بعد هدوء التشنجات المتبادلة الذي تلا توصل مصر إلى اتفاق كامب دافيد والاستمرار في تنفيذ هذا الاتفاق مع إسرائيل كما لعب دورا مهما في ثقة عرفات تحسن علاقاته الدولية بشكل عام وازدياد تأييد دول العالم وخصوصا الأوروبيين لضرورة إيجاد حل للنزاع في الشرق الأوسط يأخذ في الاعتبار بعض المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني.