التقت فئتان من الملائكة، ملائكة الجنة، وملائكة النار، المناسبة كانت أن
رجلاًمات في الطريق بعد أن قتل مائة نفس، ثم تاب توبة نصوحاً، واتجه إلى أرض أخرى، أرض لم يسبق له أن أزهق فيها روحا.
ملائكة الجنة أرادت أن تأخذه إلى الجنة لأنه تاب، بعد إزهاقه كل تلك الأرواح، وهي ترى أنه تاب ولا داعي لدخوله النار. وملائكة النار تريده في النار، لأنه مات قبل أن يصل إلى تلك الأرض التي كان يقصدها. ودار بينهما، (أي الفريقين)، جدل واسع، ولم لا؟ فالرجل ارتكب جرما يعاقب عليه أيما عقاب، فليس سهلا أن يُعفَى بعد إزهاق كل تلك الأرواح، والصحيح أن يكون مثواه النار، وملائكة الجنة حجتها هي أن القاتل قد تاب إلى ربه وآب إليه، وقصد أرضا أخرى لكن المنية لم تمهله طويلا، فمات قبل أن يصل إليها. وينبغي أن يكون من أهل الجنة، لا أهل النار.
هو حوار مثمر لا شك ولكن فيه كثير من الجدل، والاجتهادات بحيث يتاح أن يحرز كل فريق نصرا على الفريق الآخر، ويفوز بالرجل القاتل.
حل وسط
أرأيتم “ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون”، يختلفون في شيء، ويدعي كل طرف بأنه
على حق، وأن غيره على باطل، أو هو أحق به من غيره. ثم يهتدي الفريقان إلى حل وسط يجعلهما يلتقيان في منتصف الطريق، لإنهاء الخلاف، وحل المعضلة، وإنهاء ملف النزاع على الرجل الميت، الحل أن تحسب المسافة من المكان الذي مات فيه الرجل إلى المكان الذي قصده والمكان الذي تحرك منه.
هذه هي نقطة التلاقي بين الفريقين، ومهما تكن النتيجة فإن كل فريق ينصرف إلى حال سبيله راضيا ومقتنعا، ولا يتربص بالفريق الآخر.
حَسبَ الفريقان المسافة، فوجدا أن الرجل قد قطع أكثر المسافة إلى القرية الطاهرة، ولو بقليل، وذلك بفضل توبته
النصوح، فحُمِل إلى الجنة، وكان الله غفورا رحيما.
“يا أيها االأنهارلذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ”. (التحريم: 8).
فعلى المذنب أن يستيقظ من غفلته، ويفيق من سباته ونومه، ويبادر إلى التوبة؛ لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت، قال
تعالى: “أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيدَةٍ” (النساء: 78)، وقال تعالى: “وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَي أَرْضٍ تَمُوتُ” (لقمان: 34)،
وقال تعالى: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ الناسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابةٍ وَلَكِنْ يُؤَخرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ” (النحل: 61).
عنْ أبي سعِيدٍ سَعْد بْنِ مالك بْنِ سِنانٍ الخدْرِي رضي الله عنه أَن نَبِي الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلم قَال: “كان فِيمن كان
قَبْلكُمْ رَجُلٌ قتل تِسْعةً وتِسْعين نفْساً، فسأَل عن أَعلَم أَهْلِ الأَرْضِ فدُل على راهِبٍ، فَأَتَاهُ فقال: إِنهُ قَتَل تِسعةً وتسعِينَ نَفْساً، فَهلْ لَهُ مِنْ توْبَةٍ؟ فقال: لا فقتلَهُ فكملَ بِهِ مِائةً ثم سألَ عن أعلم أهلِ الأرضِ، فدُل على رجلٍ عالمٍ فقال: إنهَ قَتل مائةَ نفسٍ فهلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ ومنْ يحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التوْبة؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كذا وكذا، فإِن بها أُنَاساً يعْبُدُونَ الله تعالى فاعْبُدِ الله مَعْهُمْ، ولا تَرْجعْ إِلى أَرْضِكَ فإِنهَا أَرْضُ سُوءٍ، فانطَلَق حتى إِذا نَصَف الطريقُ أَتَاهُ الْموْتُ فاختَصمتْ فيهِ مَلائكَةُ الرحْمَةِ وملائكةُ الْعَذابِ. فقالتْ ملائكةُ الرحْمَةَ: جاءَ تائِباً مُقْبلا بِقلْبِهِ إِلى اللهِ تعالى، وقالَتْ ملائكَةُ الْعذابِ: إِنهُ لمْ يَعْمَلْ خيْراً قط، فأَتَاهُمْ مَلكٌ في صُورَةِ آدمي فجعلوهُ بيْنهُمْ أَي حكماً فقال: قيسوا ما بَيْن الأرضين فإِلَى أَيتهما كَان أَدْنى فهْو لَهُ، فقاسُوا فوَجَدُوه أَدْنى إِلَى الأَرْضِ التي أَرَادَ فَقبَضْتهُ مَلائكَةُ الرحمةِ”، (متفقٌ عليه).
وفي روايةٍ في الصحيح: “فكَان إِلَى الْقرْيَةِ الصالحَةِ أَقْربَ بِشِبْرٍ، فجُعِل مِنْ أَهْلِها” وفي رِواية في الصحيح: “فأَوْحَى اللهُ تعالَى إِلَى هَذِهِ أَن تَبَاعَدِى، وإِلى هَذِهِ أَن تَقربِي وقَال: قِيسُوا مَا بيْنهمَا،
فَوَجدُوه إِلَى هَذِهِ أَقَرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفَرَ لَهُ”.
اهميه العلم
من الأمور المهمة التي تشير إليها هذه القصة هي: أهمية العلم فالعبادة وحدها لا تكفي إن لم يكن معها علم وفي قصتنا نرى أن العابد أغلق باب التوبة أمام القاتل مع أن الله سبحانه وتعالى يغفر جميع الذنوب ما عدا أن يشرك به شيء. وربما كانت قلة علمه سببا في قتله.
فالعلم هو إدراك الشيء على حقيقته أو نقيض الجهل أو الاعتقاد الجازم، أو الحجة الواضحة، ومما تضمنته أول آيات أنزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - “اقرأ باسم ربك..” (العلق: 1-5) أنها كانت حثاً بليغاً عليه حيث أمرت بالقراءة وثنت بالتعلم، وبينت أهم أدواته (القلم) وما ذلك إلا لأنه وسيلة العمل، وقائده، وهو تابع له، ومؤتم به، وشرط في صحته وصحة القول، فلا يعتبران إلا به، كما أنه مصحح للنية التي هي شرط في صحة العمل.
ان حقيقة العلم هي كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ليس العلم عن كثرة الحديث إنما العلم خشية الله وحده) وللعلم صفة الثبات والديمومة، والحصول على هذا القدر من العلم أي المعرفة إما أن يكون بالضرورة العقلية أو بالضرورة الحسية أو بالكسب والاستدلال، وأصل علم الأنبياء وعملهم هو العلم بالله والعمل لله كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ودليل ذلك قوله تعالى: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”.
الجهل القاتل
هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، مائة إلا واحدة، قتلهم ظلماً وعدواناً، فذهب وأراد أن يتوب فقيل له: هذا فلان فدل على عابد جاهل، عابد ترك الدنيا، وانقطع عن الخلق في صومعة للعبادة، ولكنه جاهل لا يعرف الحق ولا يفتي ولا يقضي به، فذهب إليه وقال: قتلت مائة إلا واحداً هل لي من توبة؟ فاستعظم ذلك مائة نفس إلا واحدةً! فقال العابد: لا أجد لك توبة. فقال: إذاً ما فائدة الحياة؟ فأكمل به المائة.. الفتوى الجاهلة أدت إلى تقنيطه من رحمة الله، وأيضاً أدت إلى قتل هذا المفتي بغير علم، فأكمل به المائة.
ثم دل على عالم فذهب إليه، وقال: قد قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال العالم: ومن الذي يمنعك من التوبة؟ ثم قال له: اذهب إلى أرض كذا فإنها أرض خير، ودع قريتك هذه فإنها أرض سوء، ثم قبضه الله في الطريق، فاختصمت فيه الملائكة وشملته رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعد ذلك.
ولابد أن نعرف الفرق بين من يفتي بغير علم، وإن كان زاهداً، وورعاً عن الدنيا، ومجتنباً المحرمات، وبين العالم التقي الورع الذي يفتي بما آتاه الله من فضل وحلم وعلم.. وقد يؤتى أحد الجهال بياناً وفصاحة، لكن إذا لم يكن على علم بما قال الله وقال رسول الله صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، ولم يكن أيضاً على فقه في الدين فلا خير فيه.
من جريدة الخليج الاماراتيه
تقبلووووووووووووووو تحياتي
(^__^)....