علي الأحمري «60 عاماً» من اهالي «آل حسين بللحمر» ولكنه هجر القرية قبل «30 عاماً» وصال وجال في ارض الله الواسعة يكد ويتعب من اجل لقمة العيش وما زال!. استأجر مزرعة زرع فيها بعض الخضروات وكان حلمه أن يربح من ورائها لتحقيق حلمه بالزواج قبل أن يداهمه المرض بين جدران منزله إلا ان بئرها جفت ومات المحصول! ومات الحلم بالزواج!. عاش حياة حافلة وشاقة وقد تحينت الفرصة حتى يكلمني عنها قائلاً: أنا يتيم الأب والأم، توفيت أمي وأنا في عمر أقل من عشر سنوات وتوفي أبي وأنا في الخامسة عشرة من عمري. عشت جزءاً من طفولتي في قرية (آل حسين ببللحمر) ولم يكن لي اخوة أو أقارب يرعونني بعد رحيل الأهل والخلان، جميع من في القرية قدموا لي كل ما أريد وفي النفس حزن وأسى وخوف من قادم الأيام.يضيف الاحمري : يا ولدي وصلت هذا المكان ولا أتذكر التاريخ أو العام كما خرجت ولا أعرف أين أذهب، سلكت طرقاً صعبة في ليال مظلمة وبرودة قاسية وجوع لا يعلمه الا الله ويعلم الله انني لا أملك في ذلك الوقت إلا ثوبي ومحزمي.عندما وصلت (تنومة) قادماً من جهة الجنوب على مسافة 70 كم أحسست أن هذه الأرض هي التي تؤويني وتنسيني الحرقة التي في القلب، حرقة الحرمان من الوالدين رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته.الناس الذين سوف أحدثك عنهم أحبوني كثيراً وعاملوني كأني واحد منهم، يسألون عني ويزوروني وأنسوني الغربة والوحدة (واعذرني على كلمة غربة)، اعتمدت على الله سبحانه وتعالى ثم على نفسي أكد وأشقى من أجل لقمة العيش، أرعى الغنم، وأبني الحجر، وأحرث الأرض وأسقي الزرع، وأبيع المحصول، وأعود في آخر النهار وأنا في قمة السعادة أعد أكلي بنفسي وأنام مرتاح البال. جمعت مبلغاً من المال واشتريت دراجة نارية وطلبت من احد جيراني مزرعة بالأجر الشهري أحرثها وأزرعها وأبيع منتوجها ان كان بصلا أو خسا أو خيارا في سوق (المثلث بتنومة) حيث كان لي زبائن يشترون مني.أكثر من أربعين سنة وانا على هذا الحال الا انه ومع الجفاف وقلة الامطار تركت الزراعة وبعت الدراجة النارية وبحثت عن مصدر رزق آخر فلم أجد وصحتي لم تعد كما كانت عليه، سلمت أمري لله وفضلت البقاء بين هذه الجدران المظلمة والمتهالكة.قاطعته بسؤالي عن عدم تشغيله الكهرباء في غرفته؟فقال شركة الكهرباء لم ترحمني من فواتيرها الغالية ووجدت الرحمة في الفانوس الذي تراه بين يدي الآن.سألته أين دورة المياه وخزان الماء؟فقال: البيت قديم جداً، استأجرتها بحالته الراهنة، اقضي حاجتي وغسيل ملابسي ووضوئي تحت الشجرة التي تشاهدها أمام المنزل. وتزداد معاناتي اذا هطلت الأمطار فالبيت مبني من الحجر والطين.في مدخل البيت اكوام من الملابس القديمة والخرد اثارت استغرابي فسألته عنها، أجاب: كل ما احصل عليه من صدقات في الاعياد وغيرها من الايام اجمعها في المكان الذي رأيت وليس عندي ما أخفيه ومعظم ما رأيت غير صالح للاستخدام.سألته ماذا يريد فيما تبقى من عمره؟قال: يا ولدي ما أقسى الحياة.. تغربت طويلاً لأجل لقمة عيش لا تأتي إلا من البعيد، قريتي التي غادرتها منذ ثلاثين سنة على مقربة مني الآن، كل هذه السنوات لم استطع أن ازورها، ما أصعب أن تحرم من مكان طفولتك وهو على مسافة ساعة فقط! تخيل بعد ساعة، انتظر كل هذا الزمن وتحرمني ساعة وحيدة من رؤية حتى قبر من تركاني وحيداً في هذه الحياة.كم كنت أتمنى ان يكون عندي معاش من الضمان الاجتماعي اعيش عليه ما تبقى من عمري.كم كنت أتمنى أن أتزوج ولكن من أين لي المهر والبيت والمصروف؟ كم كنت أتمنى أن ألبس وآكل مما اشتهته نفسي وانحرمت منه في طفولتي وحتى الآن!.يا ولدي والله لا أملك من الدنيا إلا هذا الرغيف الذي على النار والجوع أحرقني واسئلتك ربما تنسيني اياه. انني أشعر بدنو أجلي وأشعر بضيق في النفس وآلام في الصدر وخوف من الموت وافكر كثيراً فيه مع كل نفس آخذه.قمت بالاتصال بمدير وحدة الضمان الاجتماعي بتنومة حسام الروقي وشرحت له الوضع واستجاب مشكوراً وطلب مني مرافقته في اليوم التالي وطرقنا باب العم علي وانتظرنا امام منزله كثيراً واسمعنا من به صمم ولم يفتح لنا بابه.وبدأ الشك يخالج تفكيري من أحلام وكوابيس انتابتني في الليلة التي تلت لقائي به من انني لن أراه مرة أخرى!.