السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
معالم تربوية من الآيات القرآنية ... الصوم.. وسرُّ التّقوى
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
وبعد.
فهذه وقفات نتبيّن فيها بعض المعالم التربوية الهادية والمتعلقة بقوله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) سورة البقرة: 183.
ومدار الحديث يتركز حول نقطتين:
الأولى: ما الأثر الذي يحقّقه الصوم للعبد؟!.
الثانية: ما هي آلية تأثير الصوم، وكيف يفعل فعله في النّفوس؟!.
أثر الصوم في النّفس:
لقد بيّن الله جل وعلا في الآية، التي هي سياق حديثنا، بيّن الحكمة العظيمة الكامنة وراء هذه الشعيرة، ألا وهي تحقيق التقوى، والتي هي رأس كل خير للعبد في الدنيا والآخرة.
وقد بيّن الإمام القرطبي عليه رحمة الله في سياق تفسيره لهذه الآيات أنّ للصوم أثراً عظيماً، يتفرّد به الصوم دون سائر العبادات، وهو هنا يشرح لماذا خصّ الله الصوم، وذلك بإضافته لنفسه، كما في الحديث القدسي: " كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به... ".(1)
فيقول عليه رحمة الله:
" ... وإنما خص الصوم بأنّه له - وإن كانت العبادات كلها له – لأمرين، باين الصوم بهما سائر العبادات:
أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.
الثـاني: أن الصوم سرّ بين العبد وبين ربه، لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصاً به، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعاً ورياءاً فلهذا صار أخصّ بالصوم من غيره، وقيل غير هذا. أهـ(2)
إذن فقد قرر الإمام القرطبي أن للصوم تأثيراً عميقاً في النفس البشرية، فهو:
أوّلاً: يفوق سائر العبادات، وذلك من جهة أنّه يمنع النفس من ملاذها وشهواتها، ولذا جاء في حديث ابن مسعود مرفوعاً: " من استطاع الباءة فليتزوّج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنّه له وجاء ".(3)
ثانياً: أنّ الرياء - في الغالب - لا يتسلل إليه، ففي الصوم قد يجد العبد للإخلاص طعماً حلواً، قد لا يجده في بقية العبادات! وإن شئت فانظر وتدبّر: كيف أننا نخلو بأنفسنا، وكيف تُتاحُ لنا فرصٌ كثيرة لكي نأكل، أو نشرب في نهار رمضان، حيث لا يرانا أحد من البشر، ومع هذا كله فنحن لا نفعل!.
حقاً: إنّه أمر عجيب!.
فهل سبق أن سألت نفسك: عن هذه العصمة التي عصمك الله بها؟!.
إنها أمر عجيب ركّبه الله في الصوم، سواء في شهر رمضان أو في غيره. فالصوم يعوّد العبد على إخلاص العمل، والمراقبة في السرّ والعلن، وهو بهذا كأنه يشعر أنّ الله جل وعلا مطّلعٌ عليه، وفي هذا تدريب على الإمتثال للوصية النبوية: " اتق الله حيثما كنت... ". (5) فسبحان الله.
اضف لهذا أنّ الصوم في رمضان فيه خاصية زائدة، وهي تكبيل مردة الجنّ والشياطين، وفي هذا دُربَةٌ للعبد حتى يتفرغ لتأديب نفسه ومصارعتها ومقارعتها، ثم يرتقي بعد شهر الصوم درجة أخرى، فيمكنه الله بتوفيقه من مقارعة عدو آخر، وهو قرينه من الجنّ.
نعم، إنَّ في الصوم سر عجيب من أسرار التزكية، وقد رفع هذا الإمام الغطاء، فبيّن أثر الصوم الذي يحدثه في النفس البشرية.
ولكن هذا الذي مضى نصف السرّ! وعند ابن القيم يتبقى نصفٌ آخر!.
فما هو؟!.
آلية التأثير:
لقد شارك الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كشف بقية السرّ، وذلك حينما دلّنا بدقيق فهمه، ورقيق عباراته، وبيَّن لنا آلية التأثير، وسرّ التغيير، وكيف يُحْدِثُ الصومُ هذا التحوّل التربوي، وفي هذا يقول عليه رحمة الله:
" خُلِقَ بدنُ ابنُ آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقُرِنَ بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه، ونعّمه، ونوّمه، واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذي خُلِقَ منه، فانجذبت الروح معه فصارت في السجن، فلولا أنها ألِفَت السجن لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب.(6) أهـ
لقد بين عليه رحمة الله أن الانسان - بطبيعة الخلقة - مركب من جزئين، والدليل على ذلك قوله تعالى (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) سورة ص: 71 - 72.(7)
إنّ الجسد مخلوق من تراب الأرض، أمّا الروح فقد جاءت من الملكوت الأعلى، ولذا حينما يموت العبد، يصعد بروحه إلى السماء، وأما جسده فيعاد إلى التراب: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) سورة طه:55.
إنّ كل واحد من الروح والبدن يحنّ إلى موطنه الذي جاء منه، فالروح تحنّ لعالم الملكوت الأعلى، فتبتغي التّشبّه بعُمّاره من الملائكة، الذين قال الله سبحانه وتعالى في صفتهم: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) سورة الأنبياء:20. وقال تعالى: ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم: 6. والآيتان تدلان على صفات وهي:
1/ دوام العبادة وعدم فتورها.
2/ المبادرة لامتثال أمره سبحانه.
3/ التباعد عن المعصية.
ونحن وإن كنا مجبولين على غير جِبِلّة الملائكة، إلا أننا مأمورون بالطاعة، ومأمورون بالتباعد عن المعصية، وبحسن العبادة، ونحن وإن تفاوتنا في تحقيق هذه الصفات بمقتضى بشريتنا، فلا شكّ أننا نجد في الصيام ارتقاءاً نحو تحقيق قدر من هذه المعاني السامية، وذلك بفعل انطلاق الروح وتحررها من سجنها الأرضي.
وإن كان ما مضي في شأن الروح، فإنّ الجسد النقيض تماماً، فهو يبتغي الركون إلى الأرض، ويحب أنّ يخلد لشهواتها وملذاتها، من نوم، وشهوة بطن وفرج، واطلاقٍ للسان والبصر، وغير ذلك من معايب الجوارح وسوآتها.
وبمقتضى هذا، فإن هناك نزاعاً بين هذين المتحدين، المتنافرين في الميل، فالجسد والروح أخوان متصارمان، وشريكان متشاكسان، فكلٌّ يبتغي اخضاع الآخر إلى محابه، وغذاء ذاته.
من المنتصر؟!:
إنّ من فضل الله جلّ وعلا علينا أن يحسم هذا الصراع لصالح الروح، فهي تعلو على الجسد، وتخضعه لرغباتها بدرجة كبيرة، وذلك حين تسمو مسرعة إلى الطاعات، متباعدة عن المعاصي والشهوات، وهذا أمر يجده كلٌّ منّا في حال الصوم، حيث يشعر العباد بميل للطاعة، ونفور عن المعصية.
وما ذلك الانتصار الروحي إلا لأجل أنه سبحانه وتعالى أعاننا بأمرين هامين:
الأول: وهو أمرُ يختصّ بشهر رمضان فقط، وهو أنه جلّ وعلا أعاننا بأمره القدريّ الذي ليس لنا فيه كسب، بل هو محضُّ فضل من اللطيف الخبير، حيث تُكَبّلُ مردة الشياطين، فنسلم بهذا من عدوّ لدود حقود.
الثاني: أنه جل وعلا أعاننا بأمره الشرعي، حيث أمرنا بالصيام، وبيّن مايدعونا لشدة الرغبة فيه، وأعلى ذلك بيانه أنّ الصيام طريق لنيل التقوى، حيث يكون الجسد مكبلاً، بفعل المنوع من الطعام والشراب، فيضعف بقدرٍ يجعله في عزوف عن المعاصي.
إنّ ألدّ أعداء الانسان هما الشيطان، ونفسه التي بين جنبيه، ولا يسلم منهما إلا من عصمه الله بتوفيقه. وبفعل ما سبق نعلم أن الله جلّ وعلا يكبل هذين العدوين، فتحسم المعركة لصالح الروح، وعندها تظهر الحكمة التي يريدها الله من خلقنا، وهي الإقبال على النفس وترويضها لتصل إلى أرفع مراتب العبودية الممكنة، وبهذا يتحقق معنى الإنسانية السامي في أبهى صورة:
أقبل على النفس، واستكمل فضائلها فأنت بالروح، لا بالجسم إنسان
نقطة أخيرة:
قد يقول البعض متسائلاً: أنا أصوم، ومع هذا لا تتأثر شهوتي بنقص، فما الجواب عن هذا؟!.
فالجواب عن هذا – بالنسبة للإنسان سويّ الخلقة - لا يخرج عمّا يلي:
الأول: أنك تصوم، لكنك عند فطرك، قد تسرف في تناول الغذاء بأنواعه، فكأنك لم تصم.
الثاني: أنّ الذي فهمه العلماء أنّ تأثير الصوم كالدواء، فلا بد من جرعات متتابعة، وقد تكون طويلة الأمد، حتى تؤتي مفعولها، والناس يتفاوتون في ذلك، ولذلك يقول ابن حجر عليه رحمة الله، في شرح حديث: "... ومن لم يستطع فعليه بالصوم... "(8) يقول: " واستُشكِلَ بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة لكن ذلك إنما يقع في مبدا الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك. والله أعلم.(9) أهـ
وبهذا ظهر مكمن السرّ!
إنه فضل الله ورحمته، وقد عرفت أثر الصّوم، فالزم: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) سورة يونس: 58.
أسأل الله أن يجعلنا من الذين يخشونه في الغيب والشهادة
وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه/ عماد الدين الكنانيّ
ـــــــــــــــ
(1) رواه أحمد (7636) والبخاري (1904) واللفظ له، ومسلم (1151). عن أبي هريرة رضي الله.
(2) تفسير القرطبي ج: 2 / 273-274.
(3) رواه البخاري (1905) ومسلم (1400).
(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري: 4/ 119/ أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي ت852/ ط دار المعرفة - بيروت/ ط 1379هـ/ بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي , محب الدين الخطيب.
(6) الفوائد ص 133 – 134.
(7) واضافة الروح إلى الله تعالى في الآية إضافة تشريف، وليست إضافة حقيقية، وهذا مثل قولنا: بيت الله، وناقة الله، وأرض الله.
(8) سبق تخريجه.
(9) فتح الباري شرح صحيح البخاري: 4/ 119.