همّ المعاقين خابرتني فتاة لطيفة وفي غاية الأدب وألحت عليّ بزيارة المبنى الذي تعمل فيه. وشرحت لي معاناتها هي وزميلاتها من الآخرين.. تلك الفتاة ضريرة فقدت بصرها حين بلغت الثامنة عشرة ولم تمنعها هذه المحنة القاسية من إكمال دراستها. تقول الفتاة «أنا لم أعترض على ما كتبه الله لي لكنني لا أستطيع أن أتقبل قسوة الكلمات التي يلقيها أصحابها دون تحفظ أو ذوق. أعربنا ذات مرة أنا وزميلاتي ممن يقاسمنني المصير عن رغبتنا في أداء العمرة فإذا بإحدى المسؤولات وكأننا فقدنا حاسة السمع أيضاً تعلق قائلة: «وماذا سترون هناك.. تعب على الفاضي؟».. البعض الآخر يسألنا مدعيا اللطف أو الاهتمام: ألا تجدن صعوبة في الاهتمام بنظافتكن الشخصية. إنهم يتعاملون معنا على أننا بلا إحساس. نحن لا نرى الوجوه لكن نرى الأصوات ونتألم من قسوة الكلمات.
وألقى عازف كمان شلت قدماه وهو في الخامسة من عمره في اليوم العالمي للمعاقين كلمات لها دلالتها إذ قال: «معظم المعاقين يتعلمون مع الوقت تكييف تصرفاتهم بالنسبة إلى عاهاتهم في حين لا يتعلم الأصحاء كيف يتعاملون معنا. نحن نتقبل عاهاتنا بينما يظل الآخرون مرتبكين حيالها».
ويعتقد السواد الأعظم من الناس أن منتهى الرقة والطيبة توجيه أسئلة شخصية تصلح لحكايات السمر الخاصة بهم مثل كيف حدث ذلك وما هو شعورك... إلى آخر هذه الأسئلة الغبية. وما زلت أتذكر المراهق المعاق جسديا والذي ضجر من زيارات أناس يدفعهم الفضول لزيارته وقرر قبل أن يتوفاه الله أن يواجه هذا الفضول بالصمت التام. ومع ذلك كان يسمع عند مغادرة هذه النوعية كلمات التذمر مثل: «يحمد ربه اللى نزوره ونضيع وقتنا».
ولهيلين كيلر جملة تصف بها الناس الذين لا تراهم ولكنها تميزهم من المصافحة فتقول: «لقد التقيت بأناس لا يشعرون بالحياة حتى إنني حين أمد يدي لمصافحتهم أشعر أنني أصافح عاصفة هوجاء باردة. ولكن ما أكثر الأيدي التي امتدت تصافحني فوجدتها مليئة بالدفء الذي لا ألبث أن أشعر أنه قد احتوى قلبي».