خرج من السلطة في طهران علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني وواجهة إيران الدبلوماسية، خارجياً، في أزمة ملفها النووي، ليأتي رجل آخر (سعيد جليلي) إلى نفس الموقع ونفس المهمة، أقدر على تفهم وجهة نظر الرئيس نجاد في الأزمة، وإن كان ليس بالضرورة أقدر على توصيل وجهة النظر تلك وتسويقها عالمياً، بأقل قدر من الأضرار على إدارة الأزمة إيرانياً. حاولت طهران أن تقلل من أهمية هذا التغيير، وكأنه جاء بناءً على رغبة لاريجاني الشخصية، وليس بسبب وجود خلاف بينه وبين رئيس الدولة. قيل، في هذا الصدد: إن السيد لاريجاني عبر عن نفس الرغبة في ترك الموقع والمهمة، أكثر من خمس مرات في الماضي، وأن المرشد العام للثورة كان يثنيه عن ذلك، كل مرة، وليس رغبة الرئيس نجاد بالاحتفاظ به..!؟ وحتى تتمكن طهران من تقليل أضرار الاستقالة، إلى أقل مستوى ممكن، عمدت إلى ضم السيد لاريجاني إلى وفد التفاوض الجديد برئاسة جليلي، في جولة المحادثات الأوربية الإيرانية القادمة..!؟.
كل تلك التلميحات التي صدرت من طهران من أجل التقليل من أهمية استقالة لاريجاني، لا يمكن أن تَحُول دون اللغط، في الداخل والخارج، من أن هناك، بالفعل، خلافات جوهرية في الجانب الإيراني، حول القضية وإدارة أزمتها. أصعب الأشياء وأكثرها حرجاً وإضعافاً لأي طرف من أطراف التفاوض حول قضية إقليمية أو دولية حساسة أمنياً وسياسياً، أن يلجأ أحد أطراف الأزمة إلى تغيير تشكيلة وفده التفاوضي. ليس هناك ما يمنع، والحال هذه، الأطراف الأخرى في الأزمة استغلال هذا التغيير في تشكيلة الوفد المفاوض الآخر، لدعم موقفها السياسي.. وتفسير هذا التغيير على أنه نتاج لخلاف حقيقي بين رموز مؤسسات صناعة القرار في الطرف الآخر، حول الأزمة، لابد من استغلاله، إلى أبعد مدى.
ليس على مستوى تداول القضية وإدارة أزمتها حول مائدة التفاوض بين أطراف الأزمة، يشكل تغيير أحد الأطراف الأساسية في الحوار لوفده التفاوضي، نقطة ضعف حقيقية تعمل أطراف الأزمة المقابلة على استغلالها، فحسب... بل أيضاً، على مستوى تمكن تشكيلة الوفد الجديد من الإلمام بخبرة التفاوض السابقة، التي لم يشاركها طاقم التفاوض الجديد، وتعتبر أسلحة مضاءة في يد الأطراف الأخرى، التي عاصرت التعامل مع الأزمة منذ بدايتها. المسألة، هنا: ليست مشكلة إدارة علاقات عامة، بين أطراف معادلة التفاوض، فحسب... بل أن أي تغيير في طاقم أحد أطراف التفاوض، من شأنه أن يعطي الأطراف الأخرى ميزة تنافسية في عملية التفاوض، من حيث معرفتهم بخبايا عملية التفاوض السابقة، التي يعلم بها الطاقم القديم، ويصعب عليه توصيلها إلى طاقم التفاوض الجديد.
أزمة مثل الملف النووي الإيراني، مر عليها ما يقرب من ثلاث سنوات من التداول بشأنها إقليمياً ودولياً، أكسب أطراف معادلة التفاوض خبرة أكثر في إدارتها، يحتفظ ويتميز بها أطراف معادلة التفاوض الأخرى، على أي طاقم تفاوضي جديد يمكن أن يستلم ملف الأزمة، خارج خبرة التفاوض السابقة الممتدة، والمريرة أيضاً. مرافقة السيد لاريجاني لوفد التفاوض الجديد مع المجموعة الأوربية، لا يمكن أن يجعل طاقم التفاوض الإيراني الجديد ملماً بخبرة التفاوض السابقة، ولا حتى كسر الحاجز النفسي، في ما يخص متغير العلاقات العامة، التي من المحتمل أن ينشأ بين وفد طاقم التفاوض الإيراني الجديد، وأطراف معادلة الاتصالات الدبلوماسية الأخرى، على المستويين الإقليمي والدولي. هذا، بالإضافة إلى ملكات التفاوض الخاصة، التي يمكن للسيد لاريجاني أن يكون قد أكتسبها، في فترة إدارته السابقة للأزمة، أو حتى ترجع لإمكاناته الشخصية هو، التي لا يمكن ضمان تمتع طاقم التفاوض الإيراني الجديد بها.
ولكن الأهم من شكليات آلية التفاوض تلك، التي يمكن أن تأخذ فترة حتى تتأقلم كافة أطراف إدارة الأزمة معها نتيجة لتشكيل وفد تفاوضي إيراني جديد لأزمة ملف إيران النووي، ما يتردد من وجود خلافات جوهرية، في النظر إلى الأزمة وطريقة التعامل معها، بين الرئيس الإيراني والسيد لاريجاني. حتى مع التسليم أن ملف القضية، في يد المرشد الأعلى، وليس عند الجهاز التنفيذي للدولة. يكفي الاختلاف في النهج والرؤى والمد الأيدلوجي بين الرجلين، وكذا نظرة الأطراف الخارجية لهما، ذات العلاقة المباشرة بالأزمة، أن ينبئ بتطور منحى سلبي للأزمة ككل، ولا يبشر بانفراجات قريبة محتملة لها.
كثيراً ما يؤثر أسلوب التعاطي مع أي أزمة، على المستوى الفكري والشخصي لرموز إداراتها، على النتائج المتوقعة منها، بالرغم من وجود مرجعية استراتيجية يسترشد بتوجيهها تلك الرموز. بالقطع: هناك فارق كبير، منهجياً وفكرياً ودبلوماسياً وأيدلوجياً، بين شخصيتي الرجلين محمود أحمدي نجاد وعلي لاريجاني... هذا وحده يجعل القلق مشروعاً، حول مصير الأزمة.. وتزايد حتمالات تأزمها، مستقبلاً.